الزاهد الصادق : أبو ذر الغفاري

2011-09-17

صلاح الدق

الزاهد الصادق : أبو ذر الغفاري

 الحمدُ لله الذي خَلَقَ السموات والأرض، ولم يكن له شريك في الملك، وخَلَقَ كُلَّ شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد:فإن أبا ذر الغفاري -رضى الله عنه- من زهاد الصحابة البارزين ،فأحببت أن أُذَكِرَ نفسي وإخواني الكرام بشيء من سيرته العطرة .أسألُ اللَه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعَ به طلاب العِلْمِِ.وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين .

وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه، والتابعينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

اسمه ونسبه:

هو: جُنْدَبُ بن جُنَادةَ بن قيس بن عمرو بن غفار.وشهرته:أبو ذَر الغفاري.

أمه: رَملة بنت الوقيعة،من بني غفار.

(الاستيعاب لابن عبد البر جـ 4صـ 216)

صفاته الخِلْقية:

 كان أبو ذر أسمراً،ضخماً، جسيماً،كثيف اللحية.

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ 47).

عبادة أبي ذر قبل الإسلام:

روى مسلمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ:

 قَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ .قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ.(مسلم حديث:2473)

إسلام أبي ذر الغفاري:

أسلم أبو ذر قديماً بمكة، فكان خامس من دخل في الإسلام.

(الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 4صـ 169)

روى الشيخانِ عَنْ أَبي جَمْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ:أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ ؟قَالَ: قُلْنَا بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ :كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقُلْتُ لِأَخِي انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرِّ فَقُلْتُ لَهُ لَمْ تَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ. فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ. قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ قَالَ فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ انْطَلِقْ مَعِي قَالَ فَقَالَ مَا أَمْرُكَ وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ قَالَ فَإِنِّي أَفْعَلُ قَالَ قُلْتُ لَهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فَاتَّبِعْنِي ادْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي وَامْضِ أَنْتَ فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعَرَضَهُ فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ(الذي خرج من دين آبائه،ودخل في دين جديد) فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ فَأَقْلَعُوا عَنِّي فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ. قَالَ :فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(البخاري حديث:3522 مسلم حديث:2474)

أبو ذر الغفاري أول من حيا النبي  -صلى الله عليه وسلم- بتحية الإسلام:

روى مسلمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرّ ٍالغفاري (وهو يتحدث عن قصة إسلامه) جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاسْتَلَمَ الْحَجَرَ(الأسود) وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ(أبو بكر الصِّديق) ثُمَّ صَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ مِنْ غِفَارٍ.

(مسلم حديث:2473)

أبو ذر الغفاري يدعو قومه للإسلام:

روى مسلمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرّ ٍالغفاري (وهو يتحدث عن قصة إسلامه) جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ(أبو بكر الصِّديق) ثُمَّ صَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ مِنْ غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي كَرِهَ أَنْ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا قَالَ قُلْتُ قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ: فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ :مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ(انثنت) بَطْنِي وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ قَالَ إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا فَقَالَتْ مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ وَقَالَ نِصْفُهُمْ إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ الْبَاقِي وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ.

(مسلم حديث:2473)

 هجرة أبي ذر الغفاري:

لما أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى هاجر النبي  -صلى الله عليه وسلم- فأتاه بالمدينة بعد غزوة الخندق، وصحبه إلى أن مات.

(أسد الغابة لابن الأثير جـ 1صـ 409)

مناقب أبي ذر الغفاري:

روى الترمذيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاص قَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ(السَّمَاء) ،وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ (الأرض) أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.

(حديث صحيح)( صحيح الترمذي للألباني حديث:2990)

قال الذهبي : كان أبو ذر رأساً في الزهد، والصدق، والعِلم والعمل، قوالاً بالحق، لا تأخذه في الله لَوْمَة لائم، على حِدَّةٍ فيه(سريع الغضب).

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ 47).

عِلم أبي ذر الغفاري:

روى أبو ذر مئتين وأحدى وثمانين حديثا.اتفقا الشيخان منها على اثني عشر حديثا، وانفرد البخاري بحديثين.ومسلم بتسعة عشر.

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ 75).

 روى عنه عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر،وغيرهم.

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ 46).

كان أبو ذر يُفتي في خلافة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ 46).

(1) روى مسلمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.(مسلم حديث:2577)

(2) روى أحمدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ أَوْ قَطِيفَةٌ ، فَذَاكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَغِيبُ هَذِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِئَةٍ تَنْطَلِقُ حَتَّى تَخِرَّ لِرَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ سَاجِدَةً تَحْتَ الْعَرْشِ، فَإِذَا حَانَ خُرُوجُهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا فَتَخْرُجُ فَتَطْلُعُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَهَا مِنْ حَيْثُ تَغْرُبُ حَبَسَهَا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ مَسِيرِي بَعِيدٌ، فَيَقُولُ لَهَا: اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غِبْتِ. فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا.

(حديث صحيح)(مسند أحمد جـ 35صـ 363 حديث: 21459)

جهاد أبي ذر الغفاري:

اشترك أبو ذر مع النبي  -صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين،وكان حامل راية غفار،واشترك أيضاً في غزوة تبوك. وشهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب.

 (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 2صـ 56)

قال ابنُ إسحاق(وهو يتحدث عن غزوة تبوك) مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَائِرًا (إلى تبوك)، فَجَعَلَ يَتَخَلّفُ عَنْهُ الرّجُلُ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ تَخَلّفَ فُلَانٌ فَيَقُولُ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُهُ اللّهُ تَعَالَى بِكَمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللّهُ مِنْهُ حَتّى قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ تَخَلّفَ أَبُو ذَرّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُهُ اللّهُ بِكَمْ ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللّهُ مِنْهُ. ركبَ أَبُو ذَرّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاشِيًا . وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذَا الرّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: كُنْ أَبَا ذَرّ . فَلَمّا تَأَمّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ وَاَللّهِ أَبُو ذَرّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: رَحِمَ اللّهُ أَبَا ذَرّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ،وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ.

(سيرة ابن هشام جـ 4صـ 149)

قال يحيى بن أبي كثير: كان لأبي ذر ثلاثون فرساً يحمل عليها(يستخدمها في الجهاد )، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها، ويصلح آلة بقيتها، فإذا رجعت أخذها، فأصلح آلتها، وحمل على الأخرى.

(سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 2صـ 74)

زهد أبي ذر الغفاري:

 جاء رجلٌ إلى أبي ذر رضي الله عنه فعرض عليه نفقة فقال أبو ذر: عندنا أعنز نحلبها، وحُمُرٌ تنقل، وجارية تخدمنا ، وفضل عباءة عن كسوتنا، إني أخاف أن أُحَاسب على الفضل.

(حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 1صـ:163)

قبس من كلام أبي ذر الغفاري:

(1)روى أحمدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.

(حديث صحيح)(مسند أحمد جـ 35صـ 327 حديث: 21415)

(2) قال أبو ذر لأصحابه: يا أيها الناس: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويُبَلِّغه؟ قالوا: بلى. قال: فسفر يوم القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم. (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني جـ 1صـ:165)

(3)قال أبو ذر لأصحابه: أيها الناس إني لكم ناصح إني عليكم شفيق صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور صوموا في الدنيا لحر يوم النشور تصدقوا مخافة يوم عسير.

(حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 1صـ:165)

(4) قال أبو ذر: ذو الدرهمين أشد حساباً من ذي الدرهم.

(حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 1صـ:164)

(5) قال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الملح من الطعام.

(حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 1صـ:164)

(6) قال أبو ذر لبعض أصحابه: صوموا يوماً شديداً حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور.

(حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 1صـ:165)

أبو ذر يعتزل الناس ليتفرغ للعبادة:

روى البخاريُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ:مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي( الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا. فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ، فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. (البخاري حديث:1406)

الرَّبَذةُ: مكان قريب من المدينة، نزل به أبو ذر في عهد عثمان بن عفان ومات به وقد ذُكِرَ في هذا الحديث سبب نزوله وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان بن عفان كانوا يُشَنِعُونَ عليه أنه نفى أبا ذر وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره . وكان أبو ذر يقول لأهل الشام: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم ، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عثمان : إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر، فكتب إليه عثمان أن أقدم عليَّ، فقدم أبو ذر إلى المدينة.

 قوله (فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ)أي أنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام ، فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام .

(فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 3صـ 323:322)

وفاة أبي ذر الغفاري:

روى ابنُ سعد عن مالك بن الأشتر عن زوجة أبي ذر أن أبا ذر حضره الموت وهو بالرَّبَذة (مكان قريب من المدينة) فبكت امرأته فقال : ما يبكيك فقالت : أبكي أنه لا بد لي من تكفينك وليس عندي ثوب يسع لك كفناً، فقال : لا تبكي ؛ فإني سمعت رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول : " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة(جماعة) من المؤمنين " فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق غيري، وقد أصبحت بالفلاة(الصحراء) أموت فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك وإني والله ما كذبت ولا كذبت قالت : وأني ذلك وقد انقطع الحاج ! قال : راقبي الطريق ؛ فبينما هي كذلك إذ هي بقوم قد أقبلوا حتى وقفوا عليها ، فقالوا : ما لكِ؟ فقالت : امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه؟ قالوا : ومن هو؟ قالت : أبو ذر الغفاري.فغسلوه،وكفنوه،ثم دفنوه .

(أسد الغابة لابن الأثير جـ 1صـ 411:410)

 تُوفي أبو ذر الغفاري سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة بالرَّبَذة ،وصلى عليه عبد الله بن مسعود ؛ فإنه كان مع أولئك النفر الذين شهدوا موته وحملوا عياله(وكانت لأبي ذر بنتاً) إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه بالمدينة فضم عثمان بنت أبي ذر إلى أولاده، وقال : يرحم اللهُ أبا ذر.

(أسد الغابة لابن الأثير جـ 1صـ 411)

 رَحِمَ اللهُ أبا ذر الغفاري رحمةً واسعةً، وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء. ونسأل الله تعالى أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة.

وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه، والتابعينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين .

عدد المشاهدات 4669