فقه الاستذان

2008-12-11

صلاح الدق

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الاستئذان أدب رفيع من آداب الإسلام، يجب علينا أن نتعلم أحكامه وآدابه، لأنه يستر العورات ويحفظ البيوت، والجهل بأحكام الاستئذان يترتب عليه كثير من المفاسد. فنقول وبالله التوفيق:

معنى الاستئذان   :

الاستئذان: اسم مشتق من الفعل أذن. يقال: أذن له في الشيء إذنًا: أباحه له.

 (لسان العرب  /ج1: ص52)  )المعجم الوسيط  /ج1، ص11)

حكم الاستئذان عند دخول البيوت

يختلف حكم الاستئذان باختلاف البيوت كما يلي:

بيوت غير المحارم:

يجب على المسلم البالغ العاقل الاستئذان عند دخول بيوت غير المحارم ويحرم دخولها بغير إذن أهلها لما يترتب على ذلك من المفاسد. ودليل الوجوب قوله تعالى:  )يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ( .

معنى الاستئناس :

الاستئناس: يُقال آنس الشيء: أي أحسه، وآنس الشخص، واستأنسه: أي رآه وأبصره ونظر إليه. يُقال: آنست بفلان: إذا فرحت به.

 (تهذيب اللغة /ج13، ص86: 91 (   )لسان العرب /ج1 ص150)

ومن الأدلة على وجوب الاستئذان ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد قال: (اطلع رجل من حُجر في باب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مِدْريً يحك به رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).

 (البخاري / 6241 ) (مسلم /  2156)

حُجر: ثقب مستدير. مِدْريً: حديدةُ كالمشط يسوى بها شعر الرأس.

بيوت المحارم:

يجب على كل مسلم بالغ عاقل الاستئذان عند الدخول على محارمه، كما يستأذن عند الدخول على غير محارمه.

 روى مالك عن صفوان بن سُليم عن عطاء بن يسار (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سألُه رجل فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ فقال: نعم. قال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : أستأذن عليه". فقال الرجل: إني خادمها! فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها).

 (موطأ مالك /ج2 ص734)

وقال ابن عبد البر: مرسل صحيح مجمع على صحة معناه.

 (التمهيد /ج16، ص229)

قال أبو عمر بن عبد البر: لا يجوز عند أهل العلم أن يرى الرجل أمه ولا بنته ولا أخته ولا ذات محرم منه عريانة.

 (التمهيد لابن عبد البر /ج16 ص229)

وقال عبد الله بن مسعود: عليكم إذن على أمهاتكم.

 (التمهيد /ج27، ص152)

روى البخاري في الأدب المفرد عن عبدالله بن عمر: أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحُلُم، عزله، فلم يدخل عليه إلا بإذن.

 (حديث حسن ) (صحيح الأدب المفرد /رقم 808(

قال ابن حجر العسقلاني- في شرحه حديث سهل المتقدم-: إنما جُعِلَ الاستئذانُ من أجل البصر.

يؤخذ من هذا الحديث أنه يُشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم لئلا تكون منكشفة العورة.

 (فتح الباري ج11، ص27)

الاستئذان عند الدخول على الزوجة   :

يجوز للرجل أن يدخل على زوجته بغير استئذان، ولكن يستحب الاستئذان.  روى الشيخان عن جابر قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً- أي عشاءً- لكي تمتشط الشَّعِثةُ وتستحد المُغيبةُ).

 (البخاري / 5079 ) (مسلم- الرضاع /  57)

الشَّعِثةُ: المرأة المتفرق شعر رأسها.المُغيبةُ: المرأة التي غاب عنها زوجها.  قالت زينب زوج عبد الله بن مسعود: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه.

 (ابن كثير /ج3 ص291)

استئذان الأعمى:

ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الاستئذان على كل طارق بالغ عاقل، سواء كان رجلاً أو امرأة، مبصرًا أم أعمى، وذلك لأن من العورات ما يُدرك بالسمع، فدخول الأعمى على أهل البيت بغير إذنهم قد يؤذيهم، فقد يستمع إلى ما يجري من حديث الرجل لزوجته، فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، فذلك محمول على الغالب، ولا يُقصد منه الحصر).

 (روائع البيان للصابوني /ج2 ص138)

استئذان الأطفال:

يجب على الآباء أن يأمروا أطفالهم المميّزين أن يستأذنوا عليهم في أوقات ثلاث هي: قبل صلاة الفجر، وعند القيلولة، وبعد صلاة العشاء؛ حيث يكون الآباء في حالة لا يحبون أن يطلع عليها أحد من الناس صغيرًا كان أم كبيرًا، يقول الله تعالى:  )يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (  .

 (النور: 58، 59)

وكثير من المسلمين لم يعمل بهذه الآية فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنها قال: آية لم بها أكثر الناس، آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن عليَّ. وفي بعض النسخ: لم يؤمر بها.

)صححه الألباني ( .

والمعنى عللى الروايتين : لم يعمل بها أكثر الناس.

هل يؤمر الأطفال بالاستئذان إذا بلغوا؟

 يجب على البالغين أن يستأذنوا في الأوقات الثلاث. قال الله تعالى:  )وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ( .

علامات البلوغ   :

 - الاحتلام.

 - بلوغ خمس عشرة سنة.

 - إنبات شعر العانة.

- الحيض للنساء.

إلقاء السلام عند الاستئذان  :

ذهب جمهور العلماء إلى أن إلقاء السلام عند الاستئذان بالدخول سنة مستحبة.  روى أبو داود بسنده إلى ربعي قال: (حدثنا رجل من بني عامل- وهو كلدة بن حنبل- أنه استأذن على النبي وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي فدخل).

 (صحيح أبي داود للألباني / 312)

روى أبو داود عن عبد الله بن عباس (عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي في مَشْربه، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟)

 (حديث صحيح ) (صحيح أبي داود /حديث4333)

روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة أنه سُئل عمن يستأذن قبل أن يسلم، فقال لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام.

 (حديث صحيح ) (صحيح الأدب المفرد /حديث 813)

قال سعيد بن جبير: قوله: حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها" فيه تقديم يعني حتى تسلموا ثم تستأذنوا، والسلام قبل الاستئذان.

 (تفسير ابن حاتم /ج8 ص2567)

وجوب الرد على من ألقى السلام:

 أجمع العلماء على أن الرد على من ألقى السلام واجب لقوله تعالى:  )وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (  .

(النساء: 86)

عدد مرات الاستئذان   :

روى البخاري عن أبي سعيد قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذْ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر بن الخطاب ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع).

 (البخاري / 6245)

تنبيه هام:

إذا كانت ضرورة، وكان القادم متأكدًا من وجود أحد في المكان الذي يستأذن في دخوله، جاز له أن يزيد في الاستئذان على المرات الثلاث، فالضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.

عدم الإلحاح في الاستئذان:

شرع الله الاستئذان الخيار ليكون لصاحب البيت الخيار في إعطاء الإذن لمن شاء ومنعه عمن شاء. وينبغي للمستأذن عدم الإلحاح في الاستئذان إلا لضرورة. وإذا قيل له ارجع فليرجع ولا حرج في ذلك. يقول الله تعالى:  )فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم .( 

 (النور: 28)

وروى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع).

 (مسلم /حديث 2153)

كيف يقف المستأذن عند الباب:  روى أبو داود عن عبد الله بن بُسر قال: (كان رسول الله إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم).

 (صحيح ) (صحيح أبي داود /4318)

كيفية قرع الباب   :

روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس بن مالك قال: إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافر.

 (حديث صحيح ) (صحيح الادب المفرد / 814)

فعلى كل مسلم أن يتعلم كيف يطرق الأبواب دون أن يزعج المرضى أو النائمين.

إعلان المستأذن عن اسمه أو كنيته:

روى الشيخان عن جابر قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دَيْنٍ كان على أبي، فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا، أنا، كأنه كرهها).

 (البخاري / 6250 ) (مسلم /حديث 2155(

روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري- لما جلس على بئر أريس، قال: وجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال أبو موسى من؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: من؟ فقال عمر. ثم استأذن عثمان، فقال أبو موسى من؟ قال: عثمان.

 (البخاري / 3674 ) (مسلم / 2403)

حُكْمُ من دخل ولم يستأذن   :

من دخل مكانًا بغير إذن أهله، فمن حق صاحب المكان أن يخرجه حتى يستأذن؟ فإن أذن له دخل وإلا فلا يدخل.

روى أبو داود عن كَلدة بن حنبل: (أن صفوان بن أمية بعثه إلى النبي في الفتح بلبن وجداية وضغابيس، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت ولم أُسلِّم، فقال: ارجع فقل السلام عليكم).

 (حديث صحيح ) (صحيح أبي داود / 4311)

النظر في البيوت بغير إذن أهلها   :

لا يجوز للمسلم أن ينظر في بيت أحد إلا بإذنه لأن ذلك كشف للعورات التي أمر الله بسترها. روى البخاري عن أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح).

 (البخاري / 6902)

متى يجوز دخول بيوت الآخرين بغير إذنهم؟يجوز دخول بيوت الآخرين بغير إذنهم في حالات الضرورة كأن يحدث حريقٌ في المنزل أو يسمع صوت استغاثة، أو هجوم لص أو ما شابه ذلك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

عدد المشاهدات 4080