الخطب المهمة لدعاة الأمة : فوائد ودرر

2014-02-06

أحمد سليمان

فوائد ودرر

أشد العقوبات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد-صلى الله عليه وسلم- وبعد,

فإن الله عز وجل بإقامته الحق بين عباده، جعل الحكم بينهم أرفع الأشياء، وأجلها خطرًا، واستخلف الخلفاء في الأرض ليقيموا حكمه، وينصفوا من عباده، ويقوموا بأمره، فَقَالَ عز وجل: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] .

فاستخلفه في أرضه لإقامة حكمه، واتباع سبيله، وحذره اتباع الهوى، والضلالة عَن القصد، وأوعده على ذلك الوعيد الذي قصه عليه.

وقَالَ: لنبيه مُحَمَّد  -صلى الله عليه وسلم- : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا } [النِّسَاء:05] .

فلم يفوض إليه؛ بل قَالَ لَهُ: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}.

وقَالَ تبارك اسمه: " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة: 48] ".

وقَالَ: تقدس اسمه لعباده: " إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ [النِّسَاء: 58] "

في آي كثيرة يأمر فيها باتباع أمره ويحذر أن يحاد عَن ذلك بهوىً، أو اتباع مطمع، ويذم من فعل ذلك فذلك إِذ يقول عز وجل: " فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79] ".([1])

فإذا حاد العباد عن هذا المنهج وتحاكموا إلى عقولهم وآرائهم وأهوائهم فاعلم أنها عقوبة نزلت على الأمة ولن ترفع إلا بتوبة وضراعة , والتوبة لا تقبل إلا إذا تحققت شروطها من الندم والعزم على عدم العود للذنب والإقلاع عنه وإن لم يفعلوا اشتد البأس بينهم وزادت الفرقة والشقاق بين أبناء جيلهم ,

فالرد في كل القضايا لشرعه منَّة مِنَ الله لنا, فإذا كان الرد لعقولنا وآرائنا فاعلم أننا نحيا في ابتلاء عظيم بل نسير في ظلمات الهوى والقيل والقال ,والعبد في الدنيا إن لم يستنر بنور الشرع سار في ظلمة الجهل والرأي قال تعالى :[ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ](122)

من وصايا عمر للقضاة

قَالَ عُمَرُ: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه إِلَّا من أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.

عقلاء المجانين

وفي كتاب عقلاء المجانين بسنده عن محمد بن يحيى البصري قال: دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومِسْعرًا وشريكًا ليوليهم القضاء، فقال أبو حنيفة: أتحامق فيكم تحميقًا، أما أنا فأحتال فأخلص.

وأما مسعر فيتجاني فيخلص، وأما سفيان فيهرب.

وأما شريك فيقع، فلما دخلوا عليه، قال أبو حنيفة: أنا رجل مولى، ولست من العرب، ولا تكاد العرب ترضى بأن أكون عليهم مولى، ومع ذلك فإني لا أصلح لهذا الأمر، فإن كنت صادقًا في قولي فلا أصلح له، وإن كنت كاذبًا فلا يجوز لك أن تولى كاذبًا دماء المسلمين وفروجهم.

وأما سفيان فأدركه المشخص في طريقه فذهب لحاجته، وانصرف ينتظر فراغه، فبصر سفيان بسفينةٍ فقال للملاح: إن مكنتني من سفينتك، وإلا أذبح بغير سكين تأول قول رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين" فأخفاه الملاح تحت السارية

وأما مسعر فدخل على المنصور فقال له: هات يدك كيف أنت، وأولادك، ودوابك؟ فقال: أخرجوه فإنه مجنون. وأما شريك فقال له المنصور: تقلد القضاء. قال: أنا رجل خفيف الدماغ. قال: تقلد وعليك العصيد والنبيذ الشديد حتى يرجح عقلك فتقلد، ْفهجره الثوري، وقال: أمكنك الهرب فلم تهرب([2])

هكذا كانوا

عَن مُحَمَّد بن سيرين ؛ قال: كنت عند عَبْد اللهِ بْن عتبة، وبين يديه كانون فِيْهِ نار؛ فجاء رجل فجلس معه على فراشه فساره بشيء ما ندري ما هو؛ فَقَالَ لَهُ ابن عتبة ضع لي إصبعك في هذه النار؛ فَقَالَ: الرجل: سبحان الله! تأمرني أن أضع لك إصبعي في النار! فَقَالَ لَهُ: أتبخل علي بإصبع من أصابعك في نار الدنيا، وتسألني أن أضع جسدي كله في نار جهنم! فظننا أنه دعاه إِلَى القضاء.

قضاء حير العقول

سأل المأمون رجلًا من أهل حمص عن قضاتهم، قال: يا أمير المؤمنين، إن قاضينا لا يفهم وإذا فهم وهم، قال: ويحك كيف هذا؟ قال: قدم عليه رجل رجلًا فادعى عليه أربعة وعشرين درهمًا، فأقر له الآخر، فقال: أعطه، قال: أصلح الله القاضي، إن لي حمارًا اكتسب عليه كل يوم أربعة دراهم، أنفق على الحمار درهمًا وعلي درهمًا وأدفع له درهمين، حتى إذا اجتمع ما له غاب عني فلم أره فأنفقتها، وما أعرف وجهًا إلا أن يحبسه القاضي اثنا عشر يومًا حتى أجمع له إياها، فحبس صاحب الحق حتى جمع ماله، فضحك المأمون وعزله.

الوصايا النبوية أمام الفتن الإعلامية

عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ  الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ "([3])

فالسبيلُ القاصدُ: هو الصراطُ المستقيمُ. والسبيلُ الجائرُ: هو سبيلُ

الشيطانِ الرجيم. وقد وحَّدَ طريقَهُ في أكثرِ المواضع، وجَمَعَ طرقَ الضلال؛ لأنَّ طريقَ الحقِّ أصلُهُ شيءٌ واحدٌ، ودينُ الإسلامِ العامُّ توحيدُ اللَّهِ وطاعتُهُ، وطُرقُ الضلالةِ كثيرة متبوعة، وإنْ جمعَهَا الشركُ والمعصيةُ. ([4])

                                                   

وكتبه

أحمد بن سليمان

 



([1])أخبار القضاة لوكيع  

([2])خرجه أبو القاسم النيسابوري (ص59 - 60) في عقلاء المجانين،

([3])أخرجه  أحمد في المسند (17634)، وابن أبي عاصم في السنة (19) وصححه الألباني  

([4]) تفسير  ابن  رجب ( 1/ 80)  

عدد المشاهدات 2957