أثر الأوبئة في أداء منسك الحج

2021-08-01

محمد عبد العزيز

أثر الأوبئة في أداء منسك الحج

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، والصلاة والسلام على نبيه المجتبى ورسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فإن من الأصول العامة والكليات والقواعد الجامعة في الشريعة: أن الضرر يزال.

ولعل هذه القاعدة هي شرط الفقه، فإن مقصود الأحكام الفقهية كلها جلب المنافع ودفع المضار، وهي قاعدة كلية من القواعد الخمسة الكبرى التي يدور عليها الفقه، وهذه القاعدة معمول بها لدفع الضرر عن الضروريات الخمسة المعتبرة بالإجماع.

والضرورات الخمسة التي جاءت الشريعة بحفظها هي:

حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

[ينظر: تشنيف المسامع، للزركشي (3 /464)، والغيث الهامع، لابن العراقي (ص 659)]

فإذا تقرر ما سبق، فإن فريضة الحج هذا العام، والعام المنصرم قد أدركت الناس وقد عمهم هذا الوباء الخطير الذي انتشر في أرجاء الأرض ـ كوفيد 19 ـ وهو وباء تنتشر عدواه عبر المخالطة أو الملامسة لشخص مصاب بالفيروس المسبب للمرض والذي اصطلح على تسميته بـ: كُورُونَا، ولذا فإن دول العالم كافة تقريبًا قد اتخذت كثيرًا من الاحترازات الوقائية للتقليل من انتشار هذا المرض الوبائي إلى أن يأذن الله باكتشاف الدواء الناجع له.

وقد خرجت قرارات المجامع الفقهية بتأييد كثير من هذه الاحترازات فقد جاء في التَّوصية الرَّابعة من توصيات الندوة الطبية الفقهيَّة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي الدولي حول فيروس كُورُونَا وما يتعلق به، ـ المنعقدة افتراضيًّا ـ في: 23 من شهر شعبان 1441 ه الموافق: 16 أبريل 2020 م ما يلي: «يجوز للدَّول والحكومات فرض التَّقييدات على الحريَّة الفرديَّة بما يحقق المصلحة سواء من حيث منع الدَّخول إلى المدن والخروج منها، …

كما أنَّه يجب الالتزام بقرارات الدَّول والحكومات بما يسمَّى التَّباعد الاجتماعي ونحو ذلك ممَّا من شأنِّه المساعدة على تطويق الفيروس، ومنع انتشاره لأنَّ تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة، عملًا بالقاعدة الشرعية التي تنَّص على أنَّ تصرف الإمام على الرعية مَنُوط بالمصلحة»

وقد اتخذت السلطات المشرفة والمنظمة للنسك في المملكة العربية السعودية هذا العام عددًا من الاشتراطات والاحترازات لأداء نسك الحج هذا العام، وأهم هذه الاشتراطات:

1 ـ حصول الحجاج على جرعات اللقاح المعتمدة بالمملكةـ اللقاحات المعتمدة بالمملكة هي: استرازينيكا، وجونسون، وفايزر، ومودرينا ـ قبل مطلع شهر ذي الحجة، مع إثبات ذلك بشهادة موثقة من بلد الراغب في الحج، على أن تكون الجرعة الثانية من اللقاح قبل دخول المملكة بنحو أسبوع.

2 ـ إلزامية ارتداء الكمامة لجميع الحجاج والعاملين في جميع الأوقات.

3 ـ حصول الحاج على نتيجة فحص مخبري معتمد سلبي لفيروس كورونا، قبل 72 ساعة من الوصول للسعودية.

4 ـ الحجر الصحي لمدة: 72 ساعة بعد وصول الحاج إلى المملكة، وقبل السماح له بالانتقال إلى أماكن النسك.

5 ـ تتخلل هذه الفترة إعادة الفحص المخبري المعتمد بعد 48 ساعة عن طريق جهة متعاقدة مع مقدم الخدمة الميدانية للحجاج.

ومعنى هذا أنه: إذا ثبت سلبية الفحص المخبري سمح له بأداء المنسك، وإذا ثبت إيجابية الفحص رُدَّ.

ولذا فسوف أتناول في هذه المقالة أربعة من المسائل المهمة التي سوف يحتاج إليها كثير من الحجاج في ضوء هذه الاحترازات، والتي تعد من محظورات الإحرام، وهي:

المسألة الأولى: أثر الإحصار بهذا الوباء على الحاج بعد تلبسه بالإحرام، إذا منعته السلطات من أداء النسك.

المسألة الثانية: تغطية المحرم وجهه بالكمامة تحرزًا من إصابته بالمرض.

المسألة الثالثة: لبس المحرم للقفازين تحرزًا من إصابته بالمرض.

المسألة الرابعة: استعمال المحرم للمناديل المبللة، والمواد المعقمة.

المسألة الأولى:أثر الإحصار بهذا الوباء على الحاج بعد تلبسه بالإحرام، إذا منعته السلطات من أداء النسك.

الإحصار: الحبس والمنع من أداء النسك، والإحصار يكون بالعدو، وهو مجمع عليه، ويكون بالمرض، ويكون بالنفقة.

ووقوع الإحصار بالمرض هو قول: ابنِ مسعود، وعطاء، والنخعي، والثوري، وأبي ثور، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية،

قال ابن حزم في المحلى (7/203): «وأما الاحصار فإن كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنًا كان، أو متمتعًا، من عدو، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية الهلال، أو سجن، أو أي شيء كان فهو محصر».

[ينظر: البحر الرائق، لابن نجيم (3/58)، وبدائع الصنائع، للكاساني (2/175)، والمغني، لابن قدامة (3/331)، والإنصاف، للمرداوي (4/52)].

وهو الراجح إن شاء الله تعالى، لقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وهو لفظ عام يشمل جميع أنواع الإحصار، فعلى من خصصه بالعدو الدليل.

وعلى هذا فمن أحصر عن الحج هذا العام بسبب المرض، أو فَقْدِ شرط بعد تلبسه بالإحرام أحد صورتين:

الصورة الأولى:أن يكون قد اشترط قبل الإهلال بالإحرام والدخول في النسك فهذا يحل من إحرامه ولا شيء عليه، لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟

قالت: والله لا أجدني إلا وجعة.

فقال لها: حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» أخرجه البخاري (5089)، ومسلم (1207).

فقوله: حجي واشترطي: أي: أحرمي بالحج واجعلي شرطًا في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلل متى احتجت إليه.

وقوله: محلي حيث حبستني: أي: موضع إحلالي من الأرض حيث حبستني، أي: هو المكان الذي عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب قوة المرض.

الصورة الثانية: ألا يكون قد اشترط قبل إحرامه بالحج فيمنع عنه، فهذا عليه ذبح هدي الإحصار في مكانه الذي هو فيه إن تمكن من ذلك سواء كان في الحل أو الحرم، أو التوكيل في ذبحه، ثم الحلق أو التقصير ثم الإحلال من الإحرام، للآية السابقة، ولفعله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية في ذي القعدة من العام السادس للهجرة، والحديث أخرجه البخاري (2731).

المسألة الثانية: تغطية المحرم وجهه بالكمامة تحرزًا من إصابته بالمرض.

اختلف أهل العلم في حكم تغطية المحرم لوجهه على قولين:

الأول: أنه يباح للمحرم تغطية وجهه، وهو فعل عثمان، وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

1 ـ حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته ناقته: «ولا تُخَمِّروا رأسَه؛ فإنَّ اللهَ يبعَثُه يومَ القيامة مُلَبِّيًا» أخرجه البخاري (1266)، ومسلم (1206).

ووجه الشاهد فيه: الاستدلال بمفهوم المخالفة وهو النص على عدم تغطية الرأس فدل ذلك على أن باقي الجسد بخلافه، والمحرم الحي مثله.

2 ـ عن عبدِ الرحمن بن القاسم، عن أبيه: «أنَّ عُثمانَ بنَ عفَّانَ، وزيدَ بنَ ثابتٍ، ومَرْوانَ بنِ الحَكَمِ كانوا يُخَمِّرونَ وُجوهَهم وهُم حُرُمٌ» رواه البيهقي (8870). وصَحَّح إسناده النووي في المجموع (7/268).

قال أبو الفرج بن قُدامة في الشرح الكبير (3/271): «لا نعرف لهم مخالفًا في عَصْرِهم، فكان إجماعًا»

وعلى هذا فلبس الكمامة للمحرم مباح لاسيما عند الحاجة كهذه المسألة.

الثاني: أنه يحرم تغطية الرجل المحرم وجهه وهو قول الحنفية، والمالكية، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

1 ـحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في المحرم الذي خَرَّ من بعيره: «وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلا رَأْسَهُ» رواه مسلم (1206).

وهو استدلال بالمنطوق، فكان نصًّا في المسألة.

2 ـ حديث نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: «ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم» أخرجه مالك في الموطأ في الحج، باب: تخمير المحرم وجهه (1172).

وبه تبطل دعوى إجماع الصحابة على جواز تغطية الوجه.

وهذا القول هو الراجح، وعليه فلبس الكمامة للمحرم لا يجوز، فإن احتاج للبسها فلا إثم عليه، وعليه كفارة الأذى، وستأتي قريبًا.

المسألة الثالثة: لبس المحرم للقفازين تحرزًا من إصابته بالمرض:

لا يجوز للمحرم لبس القفازين قولاً واحدًا، لحديث ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين» أخرجه البخاري (1838).

القفاز بزنة رمان: ما يلبس في اليدين.

وإنما نص في الحديث على المرأة لأن الرجل لم يكن يلبس القفازين، فالرجل مقيس عليها فلا مفهوم لذكر المرأة لأنه خرج مخرج الغالب.

فإن احتاج المحرم أن يلبس القفازين لحاجة طبية جاز وارتفع عنه الإثم، وعليه كفارة الأذى.

المسألة الرابعة: استعمال المحرم للمناديل المبللة، والمواد المعقمة:

أولاً: المناديل المبللة لها أنواع:

1 ـ أن تكون معطرة فهذه منهي عنها؛ لأنها في معنى الطيب، فإن احتاج لاستخدامها ضرورة فليس عليه إثم وعليه كفارة الأذى، لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجتنبه المحرم: «ولا ثوبًا مَسَّه الزعفرانٌ ولا وَرْسٌ» رواه البخاري (366)، ومسلم (1177).

الوَرْس: نباتٌ يكون باليمنِ، صبغتُه ما بين الصُّفرة والحُمْرة، ورائحَتُه طَيِّبةٌ. ينظر: الاستذكار، لابن عبد البر (4/19).

وقد نبه بالزعفران والورس على ما في معناهما.

وحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في الذي وقصته ناقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسِلُوه بماءٍ وسِدرٍ، وكفِّنوه في ثَوبينِ، ولا تُمِسُّوه طيبًا» وقد سبق

وقال ابن حزم في مراتب الإجماع (ص 50): «واتفقوا أنه يجتنب استعمال الطيب، والزعفران، والورس، والثياب المورسة، والمزعفرة، واتفقوا أن المرأة المحرمة تجتنب الطيب كما ذكرنا»

2 ـ أن تكون المناديل غير معطرة، فليس في استخدامها بأس.

ثانيًا: المواد المعقمة، فهذه لا بأس باستعمالها؛ لأنها ليست طيبًا، ولا هي في معنى الطيب.

كفارة الأذى:

الفدية في كفارة الأذى أحد أمور ثلاثة على وجه التخيير:

الأول: صيام ثلاثة أيام في أيام الحج أو بعده، وفي الحرم أو في أي مكان.

الثاني: إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، لكل مسكين نصف صاع من طعام.

الثالث: ذبح شاة في الحرم، ويفرق لحمها على فقراء الحرم.

1 ـ لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]

ففي الآية التخيير بين هذه الخصال الثلاثة، والنسك قد جاء بيانه في حديث كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ وأنه شاة.

2 ـ حديث عبد الله بن معقل قال: جلسْتُ إلى كعْبِ بنِ عُجْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ، فسألتُه عن الفِدْيَة، فقال: «نزلت فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةٌ؛ حُمِلتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم والقَمْلُ يتناثَرُ على وجهي.

فقال: ما كنتُ أُرَى الوجَعَ بَلَغَ بك ما أَرَى أو ما كنتُ أُرى الجَهْدَ بلغَ بك ما أَرَى.

تَجِدُ شاةً؟

فقُلْتُ: لا.

فقال: فصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِمْ سِتَّةَ مساكينَ؛ لكُلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ» أخرجه البخاري (1816)، ومسلم (1201).

ولفاعل محظورات الترفه أحوال ثلاثة:

الأول: أن يفعل المحظور تعمدًا بغير حاجة، فهذا آثم، وعليه الفدية.

الثاني: أن يفعل المحظور جهلاً أو نسيانًا، فلا إثم عليه، ولا فدية على الراجح.

الثالث: أن يفعل المحظور، لحاجة، فلا إثم عليه، وعليه الفدية.

وقد سبق في أول المقال أن معظم أحكام هذا الباب، بلا جل أحكام الفقه قائمة على قاعدة: الضرر يزال، فهي شرط الفقه.

هذا ما يسره الله تعالى في هذا المحل، والله أعلى وأعلم، وأحكم.

عدد المشاهدات 879